ابن قيم الجوزية
17
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
تقول طريقك عليّ ، وممرك عليّ . لمن تريد إعلامه بأنه غير فائت لك ، ولا معجز . والسياق يأبى هذا ، ولا يناسبه لمن تأمله . فإنه قاله مجيبا لإبليس الذي قال : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) [ الحجر : 39 ، 40 ] فإنه لا سبيل لي إلى إغوائهم ، ولا طريق لي عليهم . فقرر اللّه عزّ وجلّ ذلك أتم التقرير . وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم . فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط ، لأنه صراط عليّ . ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط ، ولا الحوم حول ساحته ، فإنه محروس محفوظ باللّه . فلا يصل عدو اللّه إلى أهله . فليتأمل العارف هذا الموضع حق التأمل ، ولينظر إلى هذا المعنى ، ويوازن بينه وبين القولين الآخرين ، أيهما أليق بالآيتين ، وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال السلف ؟ وأما تشبيه الكسائي له بقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) [ الفجر : 14 ] فلا يخفى الفرق بينهما سياقا ودلالة . فتأمله . ولا يقال في التهديد : هذا طريق مستقيم عليّ ، لمن لا يسلكه ، وليست سبيل المهدّد مستقيمة . فهو غير مهدد بصراط اللّه المستقيم ، وسبيله التي هو عليها ليست مستقيمة على اللّه ، فلا يستقيم هذا القول البتة . وأما من فسره بالوجوب ، أي عليّ بيان استقامته والدلالة عليه . فالمعنى صحيح . لكن في كونه هو المراد بالآية نظر ، لأنه حذف في غير موضع الدلالة . ولم يؤلف الحذف المذكور ، ليكون مدلولا عليه إذا حذف . بخلاف عامل الظرف إذا وقع صفة . فإنه حذف مألوف معروف . حتى إنه لا يذكر البتة . فإذا قيل : له درهم عليّ . كان الحذف معروفا مألوفا . فلو أردت : عليّ نقده ، أو عليّ وزنه وحفظه ، ونحو ذلك ، وحذفت : لم يسغ . وهو نظير : عليّ بيانه . المقدر في الآية ، مع أن الذي قاله السلف أليق بالسياق . وأجلّ المعنيين وأكبرهما . وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي اللّه عنه يقول : وهما نظير قوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) [ الليل : 12 ، 13 ] قال : فهذه ثلاثة مواضع في القرآن في هذا المعنى . قلت : وأكثر المفسرين لم يذكر في سورة وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 1 ) [ الليل : 1 ] إلا معنى الوجوب ، أي علينا بيان الهدى من الضلال . ومنهم من لم يذكر في سورة « النحل » إلا هذا المعنى كالبغوي . وذكر في « الحجر » الأقوال الثلاثة . وذكر الواحدي في « بسيطه » المعنيين في سورة « النحل » واختار شيخنا قول مجاهد والحسن في السور الثلاث . والصراط المستقيم : هو صراط اللّه . وهو يخبر أن الصراط عليه سبحانه ، كما ذكرنا ، ويخبر أنه سبحانه على الصراط المستقيم . وهذا في موضعين من القرآن : في هود ، والنحل . قال في هود : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] وقال في النحل : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) [ النّحل : 76 ] فهذا مثل ضربه اللّه للأصنام التي لا تسمع . ولا تنطق ولا تعقل ، وهي كلّ على عابدها ، يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده ، ويضعه ويقيمه ويخدمه . فكيف يسوونه في العبادة باللّه الذي يأمر بالعدل